الفيدرالي يثبت الفائدة… وورش يغيّر قواعد اللعبة: هل يدفع الذهب الفاتورة الأكبر؟
بقلم: أحمد عنيزان
خبير أسواق مالية مختص بالذهب والمعادن النفيسة
ثبّت الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة كما كان متوقعًا عند نطاق 3.50% – 3.75%، لكن الرسالة التي خرجت من الاجتماع لم تكن تقليدية. فالأسواق لم تكن تنتظر قرار الفائدة بقدر ما كانت تنتظر أول ظهور فعلي لكيفن ورش كرئيس للفيدرالي، وطريقة تعامله مع المرحلة المقبلة.
القرار نفسه لم يكن مفاجئًا، لكن المفاجأة كانت في نبرة ورش، وفي التغير الواضح في طريقة قراءة الفيدرالي لمسار السياسة النقدية خلال الأشهر القادمة.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الجدل بين خفض الفائدة أو تثبيتها، عاد سؤال رفع الفائدة إلى الواجهة من جديد. وهذا التحول وحده كافٍ لإعادة تسعير الأسواق، خصوصًا الذهب، الدولار، وعوائد السندات.
الذهب كان قد تنفّس الصعداء مؤخرًا بعد التوصل إلى تفاهمات شبه نهائية بين الولايات المتحدة وإيران، بما قد يخفف التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وأسواق الطاقة. هذه التهدئة السياسية أعطت الذهب دعمًا مؤقتًا، لأن انخفاض مخاطر الطاقة يعني تراجع جزء من الضغوط التضخمية.
لكن ما منحه الاتفاق السياسي للذهب، عاد الفيدرالي ليضع له سقفًا نقديًا.
فالرسالة الأساسية في خطاب ورش كانت أن أولوية الفيدرالي ليست إرضاء الأسواق، بل السيطرة على التضخم. ورغم تثبيت الفائدة، جاءت التوقعات الجديدة لتقول إن التضخم لا يزال بعيدًا عن هدف الفيدرالي البالغ 2%.
فقد رفع الفيدرالي توقعاته للتضخم بنهاية عام 2026 إلى 3.6%، مقارنة بتوقعات سابقة عند 2.7% في مارس، كما توقع أن يبلغ التضخم الأساسي Core PCE نحو 3.3%. وهذه الأرقام تعني أن التضخم ليس فقط أعلى من الهدف، بل أصبح أكثر عنادًا مما كانت تتوقعه الأسواق قبل أشهر قليلة.
وهنا تكمن خطورة المرحلة على الذهب.
الذهب يستفيد عادة من خفض الفائدة، ومن ضعف الدولار، ومن تراجع العوائد. لكنه يتعرض للضغط عندما ترتفع توقعات الفائدة أو تبقى العوائد مرتفعة لفترة أطول. لذلك، فإن عودة فكرة رفع الفائدة قبل نهاية العام تمثل تحولًا حساسًا بالنسبة للمعدن الأصفر.
الأرقام داخل توقعات الفيدرالي كانت لافتة؛ فمن بين 19 مسؤولًا في الفيدرالي، هناك 9 مسؤولين يتوقعون رفع الفائدة قبل نهاية عام 2026، بينما يرى 6 منهم إمكانية أكثر من رفع واحد، في حين أن عضوًا واحدًا فقط أشار إلى خفض الفائدة. هذه الأرقام نقلت النقاش من سؤال “متى يبدأ الخفض؟” إلى سؤال أكثر حساسية: “هل نحن أمام رفع جديد؟”
وفي خطوة أثارت انتباه الأسواق، امتنع ورش عن وضع توقعه الشخصي ضمن نظام الـ Dot Plot، وفتح الباب لمراجعة طريقة استخدام هذا النظام الذي اعتمدت عليه الأسواق منذ عام 2012 لفهم توقعات أعضاء الفيدرالي لمسار الفائدة.
هذه الخطوة لا تعني إلغاء النظام رسميًا حتى الآن، لكنها تعني أن ورش يريد تقليل اعتماد الأسواق على الإشارات المسبقة، وجعل قرارات الفيدرالي أكثر ارتباطًا بالبيانات الفعلية بدل التوجيهات المتوقعة.
بمعنى آخر، ورش يريد أن يقول للأسواق: لا تنتظروا تسريبًا مبكرًا للاتجاه، ولا تبنوا مراكزكم على نقاط مرسومة مسبقًا. كل رقم تضخم، وكل تقرير وظائف، وكل حركة في الأجور قد تغيّر الحسابات.
وهذا بالضبط ما قد يزيد تذبذب الأسواق خلال الفترة المقبلة.
بالنسبة للأسهم، نبرة التشدد تعني ضغطًا من ارتفاع تكلفة التمويل. وبالنسبة للدولار، فإن احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة، أو حتى رفعها، قد تمنحه دعمًا إضافيًا. أما عوائد السندات، فقد تبقى مرتفعة ما دام التضخم بعيدًا عن هدف الفيدرالي.
أما الذهب، فقد يكون الأكثر حساسية لهذا التحول.
فبعد أن استفاد من التوترات الجيوسياسية واتفاقات التهدئة، يجد نفسه أمام واقع نقدي أصعب: فائدة مرتفعة، دولار قوي، وعوائد لا تزال جاذبة للمستثمرين.
لكن هذا لا يعني انتهاء القصة الصاعدة للذهب على المدى الطويل. فاستمرار الضبابية الجيوسياسية، وتراجع الثقة في استقرار السياسات النقدية، واحتمال تباطؤ الاقتصاد لاحقًا، كلها عوامل قد تعيد الدعم للذهب عند أي تغير في نبرة الفيدرالي أو ضعف مفاجئ في البيانات.
الخلاصة أن الفيدرالي لم يغيّر الفائدة، لكنه غيّر طريقة اللعبة.
والذهب اليوم لا يدفع فاتورة قرار التثبيت، بل يدفع فاتورة عودة التشدد النقدي إلى الواجهة.
في المرحلة المقبلة، لن يكون السؤال: هل الفيدرالي خفض الفائدة أم لا؟
السؤال الحقيقي سيكون: هل يستطيع الذهب الصمود أمام فدرالي لا يريد أن يَعِد الأسواق بشيء، ويريد أن يترك كل الاحتمالات مفتوحة؟
وهنا تحديدًا، ستبدأ مرحلة جديدة للذهب: مرحلة لا يكفي فيها مراقبة السعر فقط، بل يجب مراقبة التضخم، الدولار، عوائد السندات، وكل كلمة تخرج من كيفن ورش.
